محمد جواد مغنية

182

في ظلال نهج البلاغة

يجعل رسالته آخر الرسالات ، ونبوته خاتمة النبوات ، فأدى محمد أمانة اللَّه كما أراد ، وسد بها كل فراغ . ( انه لم يخلقكم عبثا إلخ ) . . الحكيم لا يعبث ، والقوي العادل لا يحابي ، وإذن فالتكليف عام ، والمسئولية تشمل الجميع . وتقدم مثله في الخطبة 63 و 84 ( وعلم مبلغ نعمه عليكم ) فمن شكرها فهو عند اللَّه من المحسنين ، ومن كفر بها فهو من الخاسرين ( فاستفتحوه إلخ ) . . أطيعوه والتجئوا اليه تعالى ، واسألوه وحده ، فيزيدكم من فضله . وروي ان كريما قضى حاجة لسائل ، وبعد أيام جاء اليه وقال : أنا الذي قضيت حاجته يوم كذا . فقال له : مرحبا لمن توسل الينا بنا . ( فما قطعكم عنه حجاب إلخ ) . . باب اللَّه مفتوح لداعيه ، وحجابه مرفوع لراجيه ، والطريق اليه سهل يسير : الاخلاص في الدعاء ، والصدق في الرجاء . وأقسم اني طرقته ، فنلت أكثر مما أملت ( وانه لبكل مكان ) بعلمه وعنايته . وتقدم مرات ، منها في الخطبة 176 ( وفي كل حين وآن ) لأنه سرمدي دائم ( ومع كل إنس وجان ) هو معكم إينما كنتم بعلمه وعنايته ، وعليه فهو عطف تفسير على ما قبله ( لا يثلمه العطاء ) لا تنقص خزائنه بالنوال ( ولا ينقصه الحباء ) عطف تفسير ( ولا يستنفده سائل ) . لو أعطى السائلين أضعاف ما سألوا ما أثّر ذلك في ملكه وكرمه ، وتقدم في الخطبة 89 . ( ولا يستقصيه نائل ) . لا حد ولا نهاية لجوده ، واذن فمن يستوعبه ويستقصيه ( ولا يلويه شخص إلخ ) . . لا يذهله ويصرفه شيء عن شيء ، لأنه محيط بكل شيء . وتقدم في الخطبة 176 و 180 ( ولا تحجزه هبة عن سلب ) . ارتبك الشارحون في تفسير هذه الجملة ، والذي نفهمه منها انه تعالى قد يعطي نعمة الدنيا لمن يكره ، ويمنعها عمن يجب ، فلا الكراهة تمنعها ، ولا الحب يوجبها ما دامت الحكمة هي الموجب والمقياس ، واستوحينا هذا المعنى من الجملة التالية بلا فاصل وهي ( ولا يشغله غضب عن رحمة ) أي قد يرحم من غضب عليه ، ويعفيه في الدنيا من البلوى ، وفي الوقت نفسه يبتلي من رضي عنه بأشد النوائب على حسب الحكمة . ( ولا تولهه رحمة عن عقاب ) . اللَّه كريم ، ما في ذلك ريب ، فإذا منع العطاء عن عبد من عبيده فلا ينتفي عنه وصف الكرم ، لأن المنع كان لسبب